ابن العربي
902
أحكام القرآن
حسبما تقدّم بيانه ، وبقي تحت اللفظ من كان محاربا أو مستعدّا للحرابة والإذابة ، وتبيّن أن المراد بالآية : اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم . المسألة الخامسة - قوله : حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ : هذا عام في كل موضع ؛ وقد قال أبو حنيفة : إنه يخصّ منها المسجد الحرام بقوله في البقرة « 1 » : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . وقرئ : ولا تقتلوهم . وقد تقدم القول فيها في سورة البقرة « 2 » . وقد قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها أربعة نفر منهم ابن خطل « 3 » . فإن قيل : قد قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم . إنّ مكة حرّمها اللّه فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس . وهذا نصّ . قلنا : هذا خبر عن اللّه تعالى بأنه لا يملكها كافر أبدا ؛ لأنّ القتال « 4 » إنما يكون للكفار ، فأما كافر يأوى إليها فلا تعصمه ولا قرة عين ، وليس في قوة الحديث ولا لفظه أنه لا يقتل فيها . المسألة السادسة - قوله : وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ دليل على جواز الإسار فيهم ، وقد تقدم ذكر ذلك . المسألة السابعة - قوله : وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ « 5 » : قال علماؤنا : في هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة ، وقد تقدم بيانه . المسألة الثامنة - قوله : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ . . . الآية إلى : فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ؛ إن اللّه غفور لما تقدم ، رحيم بخلقه في إمهالهم ثم المغفرة لهم . وهذا مبين بقول النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « 6 » : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقّها ، وحسابهم على اللّه . فانتظم القرآن والسنة واطّردا .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 191 . ( 2 ) صفحة 106 من القسم الأول . ( 3 ) هو عبد اللّه بن خطل تعلق بأستار الكعبة يوم الفتح فأمر النبي بقتله ( القاموس ) . ( 4 ) في ل : القتل . ( 5 ) المرصد : الموضع الذي يرقب فيه العدو ؛ أي اقعدوا لهم في كل مواضع الغرة حيث يرصدون ( القرطبي : 9 - 73 ) . ( 6 ) ابن ماجة : 1295 .